أحمد ياسوف

368

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الموقف ، وهذا ما أخذناه على الرافعي ، وكذلك لا نريد أن يربط الباحث ربطا قسريّا بين طبيعة الصوت والمعنى ، مما يكون الإسقاط الشخصي منشأ له . وقد رأينا للدكتور نور الدين عتر لفتات جيدة في هذا المضمار ، وإن لم يكن من الأدباء ، فإنه يذكرنا بالذوق الرفيع عند قدامي المفسرين الذين جمعوا بين المعارف الدينية والفنية ، فهو لم ينفكّ يربط بين الجمال الموسيقى والفكرة ، ويرى أن الموسيقا تساعد على جلاء الفكرة في الآيات ، وتساعد على التصوير ، وذلك في تفسير الآية : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ [ القصص : 71 ] . يقول الدكتور نور : « أما المحاجّة بالدليل فنجد أن النّغم الموسيقى يرتفع بتلاحق الحركات في كلمة « قل أرأيتم » التي ذكرت مرتين ، ثم في هذا الاستفهام « من إله » والاستنكار « أفلا » فيملأ الأذن بحركات ذات قوّة خاصة تبرز في السّياق ، لتكون عامل إيقاظ وتنبيه » « 1 » . فلكي يكون أكثر منهجية ووضوحا ألمح إلى تعاضد النّظم للموسيقا ، كما في الاستنكار والاستفهام ، ويمكن أن نضيف إلى هذا قوله عز وجل : أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ [ الكهف : 102 ] ، فإنّ نغمة تلاحق الحركات في كلمة « أفحسب » تعضد الاستفهام الإنكاري التّوبيخي الدال على تقريع ، لتبيّن سفاهة الكفار ، وتبرز الحجّة عليهم . وفي تفسير أواخر سورة الكهف يقول عن فاصلتي الآيتين : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ

--> ( 1 ) القرآن الكريم والدراسات الأدبية ، د . نور الدين عتر ص / 304 .